قصة نبي الله سليمان علية السلام
قصة نبي الله سليمان -عليه السلام- هي واحدة من أكثر قصص الأنبياء تميزاً وزخراً بالمعجزات الباهرة والدروس العميقة، فقد جمع الله له بين النبوة والملك العظيم الذي لم ينبغِ لأحد من بعده.
إليك تفاصيل القصة كاملة من البداية وحتى النهاية:
1. النشأة والوراثة (بداية الأمر)
نشأ سليمان -عليه السلام- في بيت نبوة وعز، فهو ابن نبي الله ومليك بني إسرائيل داود -عليه السلام-. ومنذ صغره، ظهرت عليه علامات الذكاء الحاد، واللحظ الثاقب، والحكمة في القضاء.
وقد خلد القرآن الكريم إحدى المسائل الفقهية التي تجلى فيها ذكاء سليمان وهو صبي، وهي قصة "حرث القوم"؛ حيث نزل غنم قوم ليلاً في حقل لآخرين فأفسدوه، فحكم داود بصاحب الحقل أن يأخذ الغنم تعويضاً، لكن سليمان رأى حكماً أرفق بالطرفين: أن يأخذ صاحب الحقل الغنم لينتفع بلبنها وصوفها، ويأخذ صاحب الغنم الحقل فيصلحه ويعيده كما كان، فإذا عاد الحقل لأصله استرد كل طرف ملكه. فثنى الله تعالى على حكمه قائلًا: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}.
عندما توفي داود -عليه السلام-، ورث سليمان منه النبوة والملك (وراثة علم ومُلك لا مال)، قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}.
2. المُلْك العظيم والمعجزات الخارقة
دعا سليمان ربه بدعوة عظيمة سجلها القرآن: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}، فاستجاب الله له وسخر له معجزات وقدرات لم تكن لبشر قط:
-
تسخير الريح: كانت الريح تجري بأمره، تنقله وجيشه مسافات شاسعة؛ تقطع في أول النهار مسيرة شهر، وفي آخره مسيرة شهر {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَواحُهَا شَهْرٌ}.
-
تسخير الجن والشياطين: أذعنت له الجن فكانوا يعملون بين يديه في البناء، والغوص في البحار لاستخراج اللؤلؤ، وصناعة المحاريب والتماثيل القديمة (الصور والزخارف)، والقدور الراسيات. وكان من يعصي منهم يُعذّب في الدنيا.
-
منطق الطير والحيوان: فَهِم لغات الطيور والحيوانات والحشرات وتحدث معها، كما حدث في وادي النمل حين سمع نملة تحذر قومها: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، فتبسم ضاحكاً من قولها وشكر الله.
-
إسالة عين القِطْر (النحاس المذاب): فكان النحاس يتدفق له كدفق الماء ليصنع منه ما يشاء من أدوات وحصون.
3. سليمان وملكة سبأ (بلقيس)
تعتبر هذه القصة من أبرز محطات حياته وتتلخص في النقاط التالية:
-
غياب الهدهد: تفقد سليمان الطير يوماً فلم يجد الهدهد، فتوعده بالعذاب أو الذبح إن لم يأتِ بعذر قوي.
-
النبأ العظيم: عاد الهدهد يحمل خبراً من أرض اليمن (سبأ)، وأخبره أنه وجد امرأة تحكمهم (بلقيس)، ولها عرش عظيم، لكنهم يعبدون الشمس من دون الله.
-
الرسالة والاختبار: كتب سليمان رسالة تبدأ بـ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وأرسلها مع الهدهد. حاولت الملكة اختبار سليمان بإرسال هدية ثمينة، فرفضها قائلاً: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم}، وهدد بمجهيز جيش لا قِبل لهم به.
-
إحضار العرش وإسلام الملكة: قررت بلقيس الذهاب إليه مسلِمة. وقبل وصولها، أراد سليمان إظهار قوة الله، فطلب إحضار عرشها. فقال رجل صالح عنده علم من الكتاب: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}. فلما رآه سليمان مستقراً عنده شكر الله. وعندما دخلت بلقيس القصر (وكان أرضه من زجاج يجري تحته الماء) حَسِبته بحراً فكشفت عن ساقيها، فأخبرها أنه صرح مُمرد من زجاج، فبهرها هذا الإعجاز وأعلنت إسلامها قائلة: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
4. قصة جياد سليمان (الصافنات الجياد)
كان سليمان محباً للخيل لأنها تُستخدم في الجهاد ونشر الدين. وفي أحد الأيام، استعرض خيله الأصيلة السريعة (الصافنات الجياد) حتى غابت الشمس وشغلته عن ذكر أو صلاة كان يؤديها في ذلك الوقت. فتحسر أسفاً على انشغاله، وأمر برد الخيل إليه فطفق يمسح سيقانها وأعناقها إكراماً لها وحباً في الجهاد (وفي تفسير آخر أنه ضحى بها لله، لكن الأرجح عند كثير من المحققين أنه مسح عليها حباً وتكريماً لها).
5. نهاية الأمر والوفاة الغامضة العجيبة
مات سليمان -عليه السلام- بطريقة كانت في حد ذاتها معجزة ودرسًا بليغاً للبشر وللجن الذين كانوا يدّعون علم الغيب.
لقد أحس سليمان بدنو أجله، فدخل محرابه يعبد الله، وقبض الله روحه وهو واقف يصلي متكئاً على عصاه (منسأته). وبقي على هذه الحال فترة طويلة (قيل مرت شهور) والجن تعمل بين يديه في الأعمال الشاقة ظناً منهم أنه ما زال حياً يراقبهم، ولم يعلموا بموته حتى أرسل الله "دابة الأرض" (الأرضة/ السوسة) فنخرت عصاه، فلما تآكلت الخشبة سقط جسده الشريف على الأرض.
حينها فقط علم الجميع بموته، وتيقن البشر والجن أن الجن لا يعلمون الغيب؛ قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}.
الدروس المستفادة من القصة:
-
الشكر عند النعم: كان ديدن سليمان قوله: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
-
العلم هو الأساس: نال سليمان الملك والحكمة بفضل العلم والفهم الذي آتاه الله إياه.
-
الغيب لله وحده: إبطال خرافة أن الجن يعلمون الغيب والسرائر.
مشاركة
ما هي ردة فعلك؟
أعجبني
0
عدم الإعجاب
0
حب
0
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
رائع
0