خرافة: الدين ضد العقل
من أكثر الشعارات شيوعًا في الخطاب الإلحادي والحداثي الزاعم أن الدين يقف ضد العقل، وأن الإيمان لا يجتمع مع التفكير، وأن على الإنسان أن يختار بين أن يكون عاقلًا أو متدينًا. هذا الطرح يُقدَّم وكأنه حقيقة بديهية، بينما هو في جوهره خرافة فكرية تقوم على خلط متعمّد بين مفاهيم مختلفة. أول خطأ في هذه الخرافة أنها تصوّر العقل والدين كطرفين متخاصمين، مع أن العقل هو الأداة الأولى التي بها يُفهم الدين. فالإيمان في الإسلام لا يُفرض قسرًا ولا يُبنى على التعطيل، بل يقوم على النظر والتفكر والسؤال. القرآن نفسه يخاطب العقل باستمرار، ويجعل إعماله شرطًا للهداية، ويذم التقليد الأعمى واتباع الظن.
العقل في حقيقته ليس مصدرًا للحقيقة المطلقة، بل أداة لفهمها. له مجاله وحدوده، كما للبصر حدوده فلا يرى إلا في نطاق معين. حين يُطالَب العقل بما هو خارج قدرته، ثم يُتهم الدين لأنه لا يخضع له، يكون الخلل في الفهم لا في الدين. فالعقل يدرك، لكنه لا يخلق الوجود ولا يفسّر الغيب استقلالًا.
الخرافة الثانية أن الدين يطالب بإلغاء العقل، بينما الواقع أن الدين هو الذي أنقذه من الضياع. حين تُترك العقول بلا مرجعية عليا، تتضارب القيم، ويتحوّل العقل إلى خادم للهوى. فيبرر الظلم باسم المصلحة، والانحراف باسم الحرية، والاستعلاء باسم التقدم. هنا لا يعود العقل حَكمًا، بل أداة تبرير.
والتاريخ شاهد واضح. أعظم فترات الإبداع العلمي في الحضارة الإسلامية قامت على أساس ديني، لا على إنكاره. العلماء لم يروا تعارضًا بين إيمانهم وعقولهم، بل رأوا أن الكون مفهوم لأنه مخلوق بنظام، وأن البحث فيه عبادة. أما حين فُصل العقل عن القيم، واعتُبر الإنسان مرجعية نفسه، ظهرت كوارث فكرية وأخلاقية رغم التقدم التقني.
المفارقة أن من يرفع شعار “الدين ضد العقل” يتبنى في الغالب أفكارًا لا دليل عليها، ويعاملها كمسلمات لا تُناقش. يقدّس العلم حتى في فرضياته، ويهاجم الغيب رغم أنه يؤمن بأشياء غير محسوسة كالوعي والقيم والمعنى. فليس الخلاف بين عقل ولا عقل، بل بين عقل منضبط وعقل متفلّت.
الدين لا يعادي العقل، بل يعادي الغرور العقلي. لا يرفض التفكير، بل يرفض أن يتحول الإنسان إلى إله يشرّع لنفسه بلا حساب. الدين يقول للعقل: فكّر، لكن اعرف قدرك. والعقل السليم يقول للدين: دلّني، ولا يتكبر عن الهداية.
خرافة أن الدين ضد العقل نشأت لتبرير الانفصال عن القيم، لا لتحرير الفكر. والحقيقة أن العقل بلا إيمان يتيه، والإيمان بلا عقل ينحرف. أما حين يجتمعان، يولد الإنسان المتوازن الذي يفهم، ويؤمن، ويعمل، دون أن يتناقض مع نفسه.
ما هي ردة فعلك؟