نبيّ الله يوسف عليه السلام
وُلد يوسف عليه السلام في بيت نبوّة، فهو ابن نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. نشأ في كنف أبيه محاطًا بالمحبة، وكان أبوه يرى فيه ملامح الخير والصلاح والنبوة منذ صغره، فمال قلبه إليه ميل رحمة لا ميل تفضيل ظالم. في صباه رأى يوسف رؤيا عظيمة غيّرت مسار حياته كلها. رأى أحد عشر كوكبًا، والشمس والقمر، يسجدون له. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ قصّ الرؤيا على أبيه، ففهم يعقوب عليه السلام أن هذه الرؤيا ليست حلمًا عابرًا، بل بشارة بمستقبل عظيم. نصحه ألا يقصها على إخوته خوفًا من الحسد، فالنفس إذا دخَلها الحسد أعمى بصيرتها. ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ لكن إخوة يوسف شعروا بالغيرة من محبتهم لأبيهم، ورأوا أن يوسف وأخاه أقرب إلى قلبه منهم، فاستبدّ بهم الحسد، حتى قادهم إلى التفكير في إبعاده. اجتمعوا على مكيدة: أن يخرجوا به للعب ثم يلقوه في الجبّ. لم يكن قصدهم القتل صراحة، لكنهم أرادوا زواله من حياتهم.
﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾
لكن إخوة يوسف شعروا بالغيرة من محبتهم لأبيهم، ورأوا أن يوسف وأخاه أقرب إلى قلبه منهم، فاستبدّ بهم الحسد، حتى قادهم إلى التفكير في إبعاده. اجتمعوا على مكيدة: أن يخرجوا به للعب ثم يلقوه في الجبّ. لم يكن قصدهم القتل صراحة، لكنهم أرادوا زواله من حياتهم.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾
أُخذ يوسف صغيرًا وأُلقي في بئر مظلمة، وحيدًا، بلا ذنب، بلا نصير إلا الله. في تلك اللحظة القاسية، أوحى الله إليه أنه سيخبرهم بما صنعوا وهم لا يشعرون. هنا تبدأ أولى دروس القصة: قد يكون الظلم بداية طريق لا نهايته.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
عاد الإخوة إلى أبيهم بقميص يوسف ملطخًا بدم كذب، فحزن يعقوب حزنًا عظيمًا، لكنه لم يجزع، بل قال كلمته الخالدة: “فصبر جميل”. لم يكن صبره استسلامًا، بل ثقة بالله رغم الألم.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾
مرّت قافلة بالقرب من الجب، فأخرجوا يوسف وباعوه بثمن بخس. انتقل من قاع البئر إلى قصر العزيز في مصر. وهنا تتجلى حكمة الله: ما ظنه الناس نهاية كان بداية إعداد.
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾
كبر يوسف في بيت العزيز، آتاه الله جمالًا في الخَلق، ونقاءً في الخُلق. ابتُلي بفتنة عظيمة حين راودته امرأة العزيز عن نفسه، فرفض وفضّل السجن على المعصية. لم يكن الرفض سهلًا، لكنه كان اختيارًا واعيًا لطريق الله.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾
﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾
اتُّهم ظلمًا، وسُجن، لا لذنب إلا الطهر. في السجن لم يتحول يوسف إلى ناقم أو يائس، بل صار داعية ومصلحًا. دعا إلى الله، وفسّر الرؤى، وأظهر علمه وحكمته.
﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾
رأى صاحبا السجن رؤيا، ففسّرها بدقة، وطلب من أحدهما أن يذكره عند الملك، لكن الإنسان ينسى، فبقي يوسف في السجن بضع سنين.
ثم جاءت لحظة الفرج التي لا تأتي إلا في وقتها. رأى الملك رؤيا حيّرت الجميع، فعجزوا عن تفسيرها. تذكّر الساقي يوسف، فجاءه في السجن، ففسّر الرؤيا تفسيرًا شاملًا، لم يكتفِ بالشرح، بل قدّم خطة اقتصادية لإنقاذ البلاد من المجاعة.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾
لكن يوسف لم يخرج من السجن فورًا، بل طلب تبرئة اسمه أولًا. أراد أن يخرج مرفوع الرأس، لا مشكوكًا في شرفه.
﴿ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾
اعترفت النساء ببراءته، وقالت امرأة العزيز الحق.
﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾
فخرج يوسف من السجن عزيزًا بعد أن دخل مظلومًا.
﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾
ولاّه الملك خزائن الأرض، فصار على مقدّرات البلاد.
جاء الإخوة إلى مصر طلبًا للطعام، فدخلوا على يوسف ولم يعرفوه، بينما عرفهم هو. امتحنهم، وأحسن إليهم، ورتّب لقاءه بأخيه بنيامين، حتى تهيأت القلوب للحقيقة.
وفي لحظة عظيمة، كشف يوسف عن نفسه، فقال كلمته الخالدة التي تُدرّس في العفو: “لا تثريب عليكم اليوم”. لم يعاتب، لم ينتقم، بل عفا وهو قادر.
﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾
جاء بأبيه وأهله إلى مصر، ورفع أبويه على العرش، وسجد له إخوته سجود تحية كما كان مشروعًا آنذاك، فتحققت الرؤيا القديمة بعد سنوات طويلة من الابتلاء.
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
﴿هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾
عندها قال يوسف: “قد جعلها ربي حقًا”.
اختتم يوسف حياته بالدعاء، لا بالحديث عن الملك ولا السلطة، بل بسؤال حسن الخاتمة: أن يتوفاه الله مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين.
﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾
قصة يوسف ليست قصة جمال فقط، بل قصة صبر، وعفة، وعدل، وحكمة، وعفو. تعلّمنا أن طريق الله قد يمر بالبئر والسجن قبل القصر، وأن البلاء لا يعني الهلاك، وأن الله يدبّر من حيث لا نرى.
هي قصة تقول لكل مظلوم: اصبر.
ولكل مبتلى: لا تيأس.
ولكل صاحب قلب نقي: العاقبة للمتقين.
ما هي ردة فعلك؟