وهم التقدم بلا قيم

يُروَّج في الخطاب المعاصر أن التقدم الحقيقي هو التقدم المادي فقط، وأن القيم والأخلاق مسائل ثانوية يمكن تجاوزها أو تأجيلها. تُقاس المجتمعات بعدد المصانع، وسرعة الإنترنت، وحجم الناتج الاقتصادي، بينما يُنظر إلى القيم على أنها عائق أمام التطور أو بقايا ماضٍ يجب التخلص منه. هذا التصور ليس دليل نضج، بل وهم خطير. التقدم بلا قيم يشبه سفينة متطورة بلا بوصلة. قد تسير بسرعة، لكنها لا تعرف إلى أين تتجه. التكنولوجيا تتطور، والقدرة على الإنتاج تتضاعف، لكن السؤال الجوهري يبقى غائبًا: لمن؟ ولماذا؟ وبأي ثمن؟ حين تُفصل القوة عن الأخلاق، يصبح التقدم أداة للهيمنة لا للبناء، وللإفساد لا للإصلاح.

وهم التقدم بلا قيم

التاريخ مليء بأمثلة حضارات بلغت ذروة القوة ثم انهارت، لا لضعفها المادي، بل لانهيار منظومتها القيمية. الظلم، والجشع، واحتقار الإنسان، واستباحة الحقوق، كلها ظهرت في مجتمعات متقدمة تقنيًا. لم يمنعها علمها ولا صناعتها من السقوط، لأن القيم ليست ترفًا حضاريًا، بل شرطًا للاستمرار.

المفارقة أن التقدم المادي حين ينفصل عن القيم لا يحل المشكلات الإنسانية، بل يخلق مشكلات أعقد. تتطور وسائل الاتصال، لكن الوحدة تزداد. ترتفع مستويات الرفاه، لكن الاكتئاب ينتشر. تُختصر العلاقات إلى منافع، ويُقاس الإنسان بما يملك لا بما هو. هذا ليس تقدمًا متوازنًا، بل خللًا في تعريف التقدم نفسه.

القيم ليست عائقًا أمام التطور، بل إطارًا يضبطه. العدالة تحمي العلم من أن يُستخدم ضد الإنسان. الرحمة تمنع القوة من التحول إلى بطش. الأمانة تضمن أن يكون التقدم في خدمة الجميع لا في يد قلة. حين تغيب القيم، يفقد التقدم معناه، ويصبح سباقًا أعمى.

ثم إن القيم لا يمكن استيرادها لاحقًا بعد اكتمال التقدم المادي. إذا نشأ جيل على النجاح بلا مسؤولية، وعلى القوة بلا ضمير، فلن تُصلحه القوانين وحدها. الأخلاق تُبنى مع الإنسان منذ البداية، لا تُلصق به بعد فوات الأوان.

وهم التقدم بلا قيم يُغري لأنه يقدم نتائج سريعة، لكنه يدفع ثمنًا باهظًا على المدى البعيد. التقدم الحقيقي ليس في كثرة ما نملك، بل في سلامة ما نصنعه، وعدالة ما نستخدمه، وإنسانية ما نحققه.

حين تسير القيم والتقدم معًا، ينهض الإنسان متوازنًا. وحين يُقصى أحدهما، لا يبقى إلا تقدم أجوف، سريع الحركة، فارغ المعنى.

ما هي ردة فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow