وهم أن الدين سبب التخلف
من أكثر الشعارات تردادًا في الخطاب المعاصر القول إن الدين هو سبب التخلف، وإن المجتمعات لا يمكن أن تتقدم إلا إذا تخلت عنه أو أبعدته عن الحياة. يُطرح هذا الادعاء بثقة، وكأنه حقيقة تاريخية أو قانون عقلي، بينما هو في الواقع تبسيط مخلّ ووهم فكري لا يصمد أمام الفحص الهادئ. أول ما يلفت الانتباه أن هذا الاتهام لا يميّز بين الدين نفسه وبين أفعال أتباعه. فحين يتخلف مجتمع متدين، يُنسب التخلف إلى الدين، لكن حين يتقدم مجتمع علماني، يُنسب التقدم إلى الإنسان لا إلى فكره. هذا كيل بمكيالين، لأن الأفكار تُقاس بمبادئها، لا بأخطاء من يسيء تطبيقها.
الدين، في جوهره، لم يكن يومًا عائقًا أمام العلم أو العمران. بل إن أول خطاب ديني في الإسلام بدأ بالأمر بالقراءة، وبالحث على العلم، وبربط المعرفة بالتفكر في الكون والإنسان. التاريخ يشهد أن الحضارة الإسلامية في أوجها كانت حضارة علمية وفكرية، ساهمت في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، وكانت أوروبا تتعلم منها حين كانت غارقة في عصورها المظلمة.
لو كان الدين سبب التخلف لكان المتدينون في كل زمان ومكان متأخرين، وهذا غير صحيح. التخلف واقع في مجتمعات متدينة وغير متدينة على حد سواء، كما أن التقدم موجود في مجتمعات مختلفة المرجعيات. ما يعني أن العامل الحقيقي ليس الدين، بل طريقة التفكير، ونظام القيم، وإدارة الإنسان للعلم والسلطة.
المفارقة أن كثيرًا ممن يهاجمون الدين باسم التقدم، يتبنون أفكارًا جامدة لا تقبل النقاش، ويعاملونها كمسلمات مقدسة. يرفضون أي نقد، ويصنفون المخالف، ويقصونه أخلاقيًا وفكريًا. بهذا المعنى، لم يتحرروا من العقلية الدوغمائية، بل استبدلوا دينًا بدين، ومقدسًا بمقدس.
ثم إن إقصاء الدين لم يحل مشكلات الإنسان الكبرى. المجتمعات التي رفعت شعار التحرر من الدين لم تتخلص من الظلم ولا من الحروب ولا من القلق الوجودي. التقدم المادي وحده لم يمنح الإنسان الطمأنينة، بل زاد من اغترابه، وعمّق شعوره بالفراغ، لأن العلم يجيب عن سؤال كيف نعيش، لكنه لا يجيب عن لماذا نعيش.
الحقيقة أن الدين لا يعارض التقدم، بل يضع له بوصلة أخلاقية. فهو لا يقف ضد العلم، بل ضد تحويل العلم إلى أداة طغيان. ولا يعارض الحرية، بل يمنعها من أن تنقلب إلى فوضى. التخلف لا يصنعه الإيمان، بل تصنعه العقول التي تتوقف عن التفكير، سواء لبست لباس الدين أو لباس الحداثة.
وهم أن الدين سبب التخلف يُريح من البحث عن الأسباب الحقيقية للفشل: الفساد، الاستبداد، غياب العدالة، سوء إدارة الموارد، وتعطيل العقل. تحميل الدين المسؤولية هروب سهل، لكنه لا يبني حضارة، ولا يصنع إنسانًا متوازنًا.
التقدم الحقيقي لا يكون بإقصاء المعنى، بل بترشيده. ولا يكون بمحاربة الدين، بل بفهمه فهمًا صحيحًا، وإعادته إلى دوره الطبيعي: هداية القيم، وضبط المسار، وحفظ الإنسان من أن يتقدم ماديًا بينما يتخلف إنسانيًا.
ما هي ردة فعلك؟