وهم الحرية المطلقة
يُسوَّق للإنسان اليوم أن الحرية هي أن يفعل ما يشاء، متى شاء، كيف شاء، بلا قيد ولا توجيه ولا محاسبة. تُقدَّم الحرية المطلقة كقمة النضج الإنساني، وكأن القيود كلها شر، وكأن الانفلات فضيلة. لكن ما إن نتأمل قليلًا حتى نكتشف أن هذه الحرية ليست إلا وهمًا جميل المظهر، قاسي العواقب. الحرية في حقيقتها ليست كسر كل قيد، بل اختيار واعٍ داخل حدود تحفظ الإنسان. فالنار مثلًا حرة في الإحراق، لكنها إن خرجت عن موضعها أحرقت البيت ومن فيه. والسيارة إن سارت بلا قوانين مرورية تحولت من وسيلة نجاة إلى أداة هلاك. كذلك الإنسان: إن تحرر من كل ضابط أخلاقي أو قيمي، لم يتحرر… بل ضاع.
الوهم الأكبر أن الحرية المطلقة تمنح السعادة. والواقع أن من اندفع خلف شهوته بلا ضابط، سرعان ما صار عبدًا لها. من قال: “أفعل ما أريد”، انتهى إلى “لا أستطيع التوقف”. وهنا المفارقة المؤلمة: الحرية المطلقة تُنتج عبودية خفية؛ عبودية للهوى، للنزوة، للمال، للمتعة، أو لرأي الناس.
ثم إن هذا الوهم يتناقض مع أبسط حقائق الحياة. فلا أحد حرٌّ مطلقًا: نحن مقيدون بأجسادنا، بوقتنا، بقدراتنا، بقوانين الكون. فلماذا يُطلب منا أن نكون أحرارًا فقط حين يتعلق الأمر بالأخلاق والقيم؟ لماذا تُستثنى الشهوات من كل نظام، بينما يُنظَّم كل شيء آخر؟
الحرية الحقيقية ليست في إسقاط القيم، بل في التحرر من الاستعباد. أن تكون حرًا يعني أن تقول “لا” حين يغريك الخطأ، وأن تختار الصواب وأنت قادر على غيره. الحرية الحقيقية أن تملك نفسك، لا أن تُسلِّمها لأول رغبة عابرة.
ومن أعمق الأوهام أن الدين عدو للحرية. بينما الحقيقة أن الدين جاء ليحرر الإنسان: من عبادة البشر، ومن طغيان الشهوة، ومن ظلم النفس. جاء ليضع حدودًا لا ليخنق، بل ليحمي؛ لا ليقيّد الروح، بل ليحفظها من السقوط.
في النهاية، الحرية المطلقة ليست بابًا للسعادة، بل طريقًا للفوضى. والإنسان لا يسمو حين يفعل كل ما يريد، بل حين يريد ما يليق به.
فالحرية بلا هداية ضياع، وبلا قيمة سقوط، وبلا معنى… وهم.
ما هي ردة فعلك؟