وهم الإنسان مركز الكون

من أكثر الأوهام انتشارًا في الفكر المعاصر الاعتقاد بأن الإنسان هو مركز الكون، وأن كل ما في الوجود وُجد لأجله، وأن القيم والمعاني والحقيقة نفسها تدور حول رغباته وتصوراته. هذا الوهم لم ينشأ فجأة، بل تغذّى عبر فلسفات رفعت الإنسان إلى مقام المرجعية المطلقة، بعد أن أُقصيت فكرة الإله والمعنى الأعلى. حين يضع الإنسان نفسه في المركز، يصبح هو المعيار الوحيد للخير والشر، للحق والباطل، للجمال والقبح. ما يريده حق، وما يكرهه باطل، وما يخدم مصلحته صواب، وما يعارضها خطأ. وبهذا تتحول القيم من حقائق ثابتة إلى آراء متبدلة، تتغير بتغير الأهواء والظروف.

وهم الإنسان مركز الكون

هذا التصور يصطدم مباشرة بواقع الإنسان نفسه. فالإنسان كائن محدود: يولد ضعيفًا، يمرض، يجهل أكثر مما يعلم، ويموت رغمًا عنه. لا يملك التحكم في وقت ولادته ولا في لحظة موته، ولا في كثير مما يجري حوله. فكيف يكون مركز الكون من لا يملك أمر نفسه؟

ثم إن الكون لا يسير وفق إرادة الإنسان. الشمس لا تشرق احترامًا له، والموت لا يتأخر شفقة عليه، والكوارث لا تستأذن قبل وقوعها. قوانين الوجود ثابتة، لا تتبدل لأجل رغبة بشر، ولا تتوقف لإرضاء مشاعره. هذا وحده كافٍ لهدم دعوى المركزية البشرية.

ومن أخطر نتائج هذا الوهم أنه يُنتج الاستعلاء. حين يرى الإنسان نفسه مركز كل شيء، ينظر لغيره على أنهم أدوات أو عوائق. تُبرر الهيمنة باسم التقدم، ويُسوَّغ الظلم باسم المصلحة، ويُحتقر الضعيف لأنه لا يخدم المشروع الإنساني المتضخم. وهكذا تُفرغ القيم من بعدها الأخلاقي، وتُلبس لبوسًا نفعيًا باردًا.

كما أن هذا الوهم يخلق فراغًا داخليًا عميقًا. فالإنسان حين يُنزَع من سياق الغاية الكبرى، ويُفصل عن المعنى المتجاوز، يصبح وحيدًا في كون صامت، يحمل فوق طاقته عبء تفسير الوجود وصناعة المعنى. فينهار تحت هذا الثقل، أو يهرب إلى اللهو والاستهلاك والنسيان.

الحقيقة أن الإنسان ليس مركز الكون، بل جزء منه. له كرامته، وله مكانته، لكنه مخلوق له غاية، ومحدود بقوانين، ومسؤول عن أفعاله. قيمته الحقيقية لا تأتي من جعله محور الوجود، بل من إدراكه لموضعه الصحيح فيه، وعلاقته بخالقه، والتزامه بالحق والعدل.

حين يتخلى الإنسان عن وهم المركزية، لا يفقد قيمته، بل يستعيدها. لأنه عندها فقط يفهم نفسه على حقيقتها، ويعيش متوازنًا، ويخرج من تضخم الأنا إلى سكينة المعنى.

ما هي ردة فعلك؟

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow